عنوان الكتاب : الفلسفة والحضارات

لطلاب الفلسفة في السنتين الثانية والثالثة من المرحلة الثانوية

يتناول نشأة الفلسفة وتطورها من خلال التفاعل بين الحضارات وموضوعات الفلسفة العامة

الناشر أحمد الحلاق

الفلسفة ، في بداية نشأتها ومراحل تطورها الأولى  في الحضارات الانسانية ، لم تكن منفصلة عن العلم  .                                        

يتفق المؤرخون في القول إن الفلسفة والعلم النظري نشآ في الحضارة اليونانية . ولكن هذه الحضارة قامت وتطورت في مرحلة لاحقة لتطور حضارات الشرق الأدنى القديم التي أثرت ، من خلال المعارف العلمية والأساطير والمعتقدات التي عرفتها في الحضارات اللاحقة لها ومنها بشكل خاص الحضارة  الاغريقية .                                          

يبين المعنى الاشتقاقي أن كلمة فلسفة يونانية ، وهي مشتقة من كلمتين : فيلوس وتعني محبة أو ايثار وتفضيل ، وسوفوس وتعني الحكمة ؛ فالفلسفة هي محبة الحكمة والسعي للوصول اليها ، وليست امتلاك الحكمة لأن الآلهة وحدها ، كما كان الاغريق يعتقدون ، هم من يمتلكون الحكمة أي المعرفة المطلقة ، معرفة حقيقة كل شيء معرفة صحيحة وبعيدة كليا عن أي شكل من أشكال الخطأ .                                                    

ليس هناك تعريف جامع مانع للفلسفة يتفق حوله الفلاسفة و المفكرون والباحثون المهتمون بتاريخ الفكر . وقد تعددت تعريفات الفلسفة واختلفت بقدرما تعددت واختلفت المذاهب والاتجاهات الفلسفية . ومع ذلك يمكن القول إن الفلسفة ممارسة فكرية تتميز عن الممارسات الفكرية الأخرى كالعلم والفن والدين ؛ فالفلسفة عقلانية منطقية في بدايتها وبنيتها ، وهي في ذلك تتفق الى حد كبير مع العلم ، وتختلف عن الدين الذي يتأسس بداية على الوحي ويستمد حقائقه من النصوص المقدسة ، وتختلف في هذه الصفة أيضا عن الفن حيث للذاتية والخيال أهمية كبيرة توازي أهمية العقل والمنطق في الفلسفة . والفلسفة ، أيضا ، شمولية أي أنها لا تحدد موضوعاتها مثلما هي الحال في العلوم ، وهي في هذه الصفة تشبه الدين .                          

وقد ظهرت المذاهب الفلسفية ، التي أسست لتطور المذاهب الفلسفية والعلوم عبر التاريخ ، في الحضارة اليونانية في منتصف القرن الأول قبل الميلاد ،هذه الحضارة التي نشأت وتطورت بعد حضارتي بلاد ما بين النهرين ووادي النيل ،وهما أقدم الحضارات الانسانية على وجه الأرض . وفي هاتين الحضارتين كانت البداية الأولى للمعارف العلمية والعملية التي أسست لمختلف المظاهر الحضارية             وأدت ، نتيجة للتأثر والتاثير المتبادلين بين الحضارات ، لتطور المجتمعات الانسانية وتقدمها .

فكيف نشأت الحضارات ؟ وكيف تطورت ؟ وكيف نشأت الفلسفة والعلوم وتطورت في اطار التفاعل الحضاري ؟

ارتبطت بداية الحضارة باكتشاف الزراعة حيث تحول الانسان من جامع لغذائه الى منتج له .

يمثل عصر الصيد والالتقاط المرحلة السابقة لقيام الحضارة . في هذا العصر كان الانسان يعتمد على ما تقدمه الطبيعة له من ثمار وخضار وحبوب وجذور          يلتقطها ، وحيوانات يصطادها ليأكل لحمها ويلبس  جلودها .وقد اعتمد الانسان في هذه المرحلة على الطبيعة لتأمين المسكن والأدوات التي كان يستخدمها حيث سكن في الكهوف وصنع ادواته من الحجر وأغصان الأشجار والألياف النباتية …

وقد أدت عوامل عديدة منها التحولات الجيولوجية والطبيعية قبل ما يقارب الخمسة عشر ألف سنة الى تغير في طبيعة الأرض والمناخ، فبات  الحصول على الغذاء من الطبيعة صعباً للغاية ، وذلك حفز سعي الانسان الى انتاج طعامه بدلا من التقاطه من الطبيعة ، فحدثت في منطقة الشرق الأدنى القديم أول ثورة تكنولوجية في التاريخ هي الثورة    الزراعية . وباتت الزراعة تؤمن للانسان القدرة على انتاج طعامه في الاماكن التي استقر فيها حيث تتوافر المياه والأرض الخصبة .

اضافة الى الزراعة قام الانسان باستئناس بعض أنواع الحيوانات ، وتعلم كيف يحفظ طعامه لتبدأ التجمعات الحضارية الأولى على ضفاف الأنهر. هناك تعلم الناس بناء البيوت من القش وأغصان الأشجار ثم من الطين والحجر . وهكذا كانت الحضارات الأولى حضارات نهرية وسميت بأسماء الأنهر .

يعتبر الشرق الأدنى القديم مهد التجمعات الحضارية الأولى ،مثلما يرى معظم الباحثين ، نظرا لتوفر الظروف والعناصر التي سمحت بحدوث الثورة الزراعية في فترة تعود الى تاريخ يمتد الى حوالي العشرة الاف سنة في هذه المنطقة . وقد بدأت التجليات الحضارية الأولى على ضفاف الأنهر في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل في أزمنة متقاربة جدا ، فازدهرت مدن سومرية مثل كيش (4500 ق. م ) و أور (3500 ق.م ) .

وبفعل عوامل عديدة ، منها الهجرات والغزو والتجارة ، انتقلت المظاهر الحضارية الأولى من بلاد ما بين النهرين الى وادي النيل . ومن هذه المظاهر : صناعة الفخار والسلال، ونسج الأقمشة ،ومهارات التعدين ،وأنواع العمارة ،وبناء المعابد والنواويس، والرسوم والأختام المصنوعة من الطين المجفف ،والكتابة التصويرية . وقد كان التواصل والاتصال بين هاتين الحضارتين متبادلا من خلال الطرق التي مرت بها الغزوات وقوافل التجار ، وهذا ما أدى الى قيام الحضارة الكنعانية الفينيقية .

والتواصل بين الحضارات تطور من المستوى المادي الى المستوى الفكري والثقافي.  تمثل ذلك بداية في تطور الكتابة من أشكالها التصويرية(المسمارية والهيروغليفية) الى الأبجدية الفينيقية حيث بات الحرف يعتمد على اللفظ وليس على الصورة، وبات ممكناً اختصار اللغة وتبسيطها مما يقارب300  شكل الى 28 حرفاً يمثل كل منها صوتا معينا .وذلك أدى الى تطور مستوى التفكير ، بعد أن أصبحت اللغة أداة تواصل بالرموز التي لا تعبر عن الأشكال الحسية فقط ، وانما، أيضا،عن الأفكار المجردة .

وقد امتدت المظاهر الحضارية شرقاً باتجاه الهند والصين ، وشمالاً الى بلاد       اليونان ، حيث تأسست الحضارة الاغريقية التي تطورت وازدهرت في منتصف القرن الأول قبل الميلاد .

 تميزت الحضارات ،على المستوى الفكري ، بالأساطير والديانات، والمعارف العلمية، وأشكال التنظيم الاجتماعي المتمثلة بالاعراف والقوانين والعادات والتقاليد .

 نشأت المعارف العلمية ، كما يقول مؤرخو العلوم بفعل عاملين اساسيين هما الحاجات اليومية الملحة والدين . فقد نشأت الهندسة في وادي النيل وبلاد ما بين النهرين بسبب الحاجة الى قياس الراضي الزراعية ورسم حدودها ومن هنا أخذ هذا العلم تسميته التي تعني حدود الأرأض  (جيو ميتري) . ونشأعلم الفلك نتيجة للحاجات الدينية والملاحية والزراعية ، وكذلك علم  الحساب الذي ارتبطت نشاته بحاجة الانسان الى عد الأشياء المحيطة به وتطور مع تطور التجارة ، وعلم الطب الذي ارتبطت نشاته بالحاجة الى مداواة الآلام بواسطة النباتات التي أدت الخبرة العملية لمعرفة تاثيراتها الايجابية في المعالجة .   

تبين المدونات التي تركها السومريون والبابليون ، وهي ألواح من الطين يكتب عليها بالحروف المسمارية ، أن شعوب بلاد ما بين النهرين توصلت الى معارف هامة وأساسية في ميداني الرياضيات والفلك . فقد استعملوا الأرقام ، وحددوا المساحات والأوزان والطوال والأحجام . يؤكد ذلك وجود المسطرة المرقمة في تماثيلهم . واكتشفوا النظام الستيني الذي لا يزال يستعمل حتى اليوم في حساب الساعات والدقائق والثواني . وحسبوا مواقيت الفيضانات ، وتوقعوا الكسوفات انطلاقا من حسابات تستند الى مدوناتهم ، ورصدوا مواقع القمر والنجوم ، وجعلوها في فئات وابراج . وأبدعوا عددا من الآلات كالمزولة الشمسية والساعة المائية . وتضمنت روزنامتهم اثني عشر شهرا قمريا متساويا، وكان الملك يأمر باضافة شهر ثالث عشر ، مرة كل اربع سنوات، لتستقيم حسابهتهم المتعلقة بتوازن الفصول.

أما الحضارة المصرية القديمة فقد تميزت في ميدان المعارف الهندسية والعمارة يظهر ذلك استخدامهم الاشكال الهندسية ، والدقة في معرفة قياساتها ، وتطبيق هذه المعارف في فن العمارة . والشاهد الأكبر على ذلك هو الهرم الذي يمثل خلاصة معارفهم الهندسية ، واتقانهم لفن العمارة من جهة ، وخلاصة افكارهم ومعتقداتهم الدينية من جهة اخرى .

ومن المعارف العلمية ، التي تميزت بها هذه الحضارة ، التحنيط الذي يمثل خلاصة معارفهم الطبية والدوائية والدينية اأيضا . يظهر مدى تطور المصريين القدماء في الطب المدونات ، بالكتابة الهيروغليفية  على اوراق البردي التي تضم تضم جداول بالأمراض التي عالجوها ، والعقاقير التي وصفوها ، والأدوات التي استخدموها في التشريح والجراحة .

عبده شحيتلي

استاذ فلسفة في التعليم الثانوي منذ العام 1984. استاذ محاضر في الجامعة اللبنانية – كلية الاداب والعلوم الانسانية منذ العام 2005 كاتب ومؤلف لمقالات متنوعة في الفسفة والفكر السياسي، وكتب في الفلسفة العامة مشرف ومشارك في مناقشة الرسائل الجامعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *